الخطيب الشربيني

376

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

مجاهد : في أطرافها ، وعنه أيضا في طرقها وفجاجها ، وهو قول السدي والحسن ، وقال الكلبي : في جوانبها ، ومنكبا الرجل جانباه . فائدة : حكى قتادة عن أبي الخلد : أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ ، للسودان اثنا عشر ألف ، وللروم ثمانية آلاف ، وللفرس ثلاثة آلاف ، وللعرب ألف . ثم ذكرهم تعالى بأنه سهلها لإخراج البركات بقوله تعالى : وَكُلُوا ودل على أن الرزق فوق الكفاية بقوله تعالى : مِنْ رِزْقِهِ الذي أودعه لكم فيها ، قال الحسن : مما أحل لكم ، وقيل : مما خلقه الله لكم رزقا في الأرض وَإِلَيْهِ أي : وحده النُّشُورُ وهو إخراج جميع الحيوانات التي أكلتها الأرض وأفسدتها يخرجها سبحانه في الوقت الذي يريده على ما كان كل منها عليه عند الموت كما أخرج تلك الأرزاق ، لا فرق بين هذا وذاك غير أنكم لا تتأملون ، فيا فوز من شكر ويا هلاك من كفر ، فعوّدوا أنفسكم بالخيرات لعلها تنقاد كما قيل « 1 » : هي النفس ما عودتها تتعود ولما كان لم يكن بعد الاستعطاف إلا الإنذار قال تعالى مهددا للمكذبين : أَ أَمِنْتُمْ قرأ قنبل في الوصل بإبدال الهمزة بعد راء النشور واوا ، وسهل الهمزة الثانية نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه ، وحققها الباقون ، وأدخل بينهما ألفا قالون وأبو عمرو وهشام والباقون بغير إدخال ، وقوله تعالى : مَنْ فِي السَّماءِ فيه وجوه : أحدها : من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ، ومنها ينزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه . والثاني : أن ذلك على حذف مضاف ، أي : أأمنتم خالق من في السماء . والثالث : أن في بمعنى على ، أي : على السماء ، كقوله : وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [ طه : 71 ] أي : على جذوع النخل وإنما احتاج القائل بهذين الوجهين إلى ذلك لأنه اعتقد أن من واقعة على الباري تعالى شأنه وهو الظاهر وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيز لئلا يلزم التجسيم ، ولا حاجة إلى ذلك ، فإن من هنا المراد بها الملائكة سكان السماء وهم الذين يتولون الرحمة والنقمة . والرابع : أنهم خوطبوا بذلك على اعتقادهم فإن القوم كانوا مجسمة مشبهة وأنه في السماء ، وأن الرحمة والعذاب نازلان منه ، وكانوا يدعونه من جهتها فقيل لهم على حسب اعتقادهم : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أي : من تزعمون أنه في السماء . قال الرازي : هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها بإجماع المسلمين ، لأنّ ذلك يقتضي إحاطة السماء به من جميع الجوانب فيكون أصغر منها والعرش أكبر من السماء بكثير فيكون حقيرا بالنسبة إلى العرش وهو باطل بالاتفاق ، ولأنه تعالى قال : قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأنعام : 12 ] فلو كان فيها لكان مالكا لنفسه ، فالمعنى : أما من في السماء عذابه ، وإما إن ذلك بحسب ما كانت العرب تعتقده ، وأما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته كما قال تعالى : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [ الأنعام : 3 ] فإن

--> ( 1 ) الشطر لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي ، ويروى شطر قريب منه وهو : هي النفس تحمل ما حمّلت والشطر من المتقارب ، وهو بلا نسبة في مغني اللبيب 2 / 489 .